في الوقت الذي تدخل فيه بطولة كأس إفريقيا للأمم 2025 تدريجيا مراحلها الحاسمة على أرضية الملاعب، تتشكل دينامية أخرى لا تستأثر بكثير من الاهتمام. ففي الدار البيضاء، يحفز توافد المشجعين من مختلف أنحاء القارة ومن خارجها نشاطا لا تسلط عليه الأضواء لكنه يظل استراتيجيا، ويتمثل في نشاط مكاتب الصرف، التي تعبأت بشكل تام استعدادا للحدث.
فمنذ ساعات الصباح الأولى، تشهد مكاتب الصرف في الشوارع الرئيسية بوسط المدينة، وعلى مقربة من المناطق السياحية، وفي الأحياء التجارية، إقبالا متواصلا. وتتنوع الطلبات بين الدرهم والأورو والدولار والجنيه الإسترليني، وتتزايد أحجام المبالغ، وتتغير طبيعة المعاملات.
وأصبح التساؤل يدور بالأساس حول الحدود المسموح بها، والعمولات المطبقة، وتوافر العملات، وسرعة المعاملات، مما يؤشر على أن كأس إفريقيا للأمم دخلت مرحلتها العملية الكاملة، متجاوزة أثر حملة الإعلانات التي شهدتها أولى أيام البطولة.
وهكذا يصبح هذا الموعد القاري، في هذه الأماكن التي غالبا ما ينظر إليها كمكاتب للوساطة المالية، عاملا محفزا. وفي هذا الصدد، اتخذ الفاعلون في المجال سلسلة من التدابير شملت تعديل مستويات السيولة لديها وتعزيز اليقظة.
وقال عبد العزيز، مدير أحد مكاتب الصرف في الدار البيضاء في تصريح لوكالة المغرب العربي للأنباء “نلاحظ بوضوح زيادة في النشاط منذ انطلاق البطولة…”، مضيفا أن “عدد الزبناء الدوليين أصبح أكثر من المعتاد، ويتوزعون بين السياح الأجانب والمغاربة المقيمين في الخارج”.
وتهم المعاملات الأولية في غالب الأحيان فئات نقدية صغيرة، تتراوح قيمتها عادة بين 1000 و2000 درهم، تخصص للنفقات اليومية (كالمطاعم، والمواصلات العامة، والمشتريات المحلية…). لكن بعض العملاء اختاروا بالفعل تمديد فترة إقامتهم، مع السفر بين عدة مدن مضيفة وارتفاع الميزانيات لتغطي عدة أسابيع.
وأكد هذا المهني أنه “بالنسبة لنا، فإن هذه المؤشرات مهمة للغاية، وهي تعكس طلبا يمتد على فترة زمنية تتجاوز بكثير أيام المباريات”.
وتندرج هذه الزيادة في النشاط في إطار عمل تم إعداده مسبقا بمناسبة البطولة، حيث قامت السلطات النقدية، بتعزيز إجراءاتها التشغيلية لمواكبة توافد الزوار.
وهكذا فقد قام مكتب الصرف بوضع نظام خاص يروم تسهيل عمليات صرف العملات طوال فترة إقامة المشجعين. ولضمان تواصل واضح وسهل يلائم احتياجات الزوار، وفر المكتب العديد من الأدوات المعلوماتية، بما فيها صفحة مخصصة على موقعه الإلكتروني تشتمل على كافة المعلومات الأساسية المتعلقة بتسهيلات صرف العملات طوال فترة بطولة كأس الأمم الإفريقية 2025.
ويتعلق الأمر أيضا بوصلة فيديو ثلاثية اللغات (العربية والفرنسية والإنجليزية)، يتم بثها في المطارات الرئيسية للمملكة، وهي توضح قواعد التصريح بالعملات وأفضل الممارسات في مجال الصرف بطريقة بسيطة ومرئية، بالإضافة إلى كتيبات يتم توزيعها في المطارات لتكون بمثابة دليل عملي للزوار منذ وصولهم.
وعلاوة على ذلك، وضع مكتب الصرف رهن إشارة الزوار تطبيق “OC CONNECT”، الذي يمكنهم من تحديد مواقع نقاط الصرف المعتمدة القريبة منهم بسرعة، والذي يمكن تحميله مجانا على الهواتف الذكية.
وقد بدأت هذه التطورات تنعكس بالفعل على أرض الواقع، إذ أصبحت مكاتب الصرف مراكز توجيه مالي حقيقية، يتم فيها شرح القواعد المعمول بها والخيارات المتاحة وأفضل الممارسات التي يتعين اتباعها.
ولاحظ عبد العزيز أن “الزوار يطرحون الكثير من الأسئلة، لا سيما حول طرق الدفع المقبولة والإجراءات التنظيمية”، مضيفا أن الدور الاستشاري يكتسي أحيانا نفس أهمية عملية صرف العملات في حد ذاتها.
ويتعزز ب عد المواكبة هذا، منذ الوصول إلى التراب المغربي، خاصة في مطارات المملكة، حيث تم توفير أدوات متعددة اللغات وأخرى معلوماتية قصد ضمان تواصل واضح وتأمين المعاملات وإرساء جو من الثقة.
ويتخذ هذا الإجراء بعدا خاصا في الدار البيضاء التي تعد القطب الاقتصادي الرئيسي وبوابة البلاد، حيث يتعزز دور مكاتب الصرف الواقعة على مقربة من الفنادق والمحاور الحضرية الرئيسية، مما يسهم بشكل مباشر في جودة الاستقبال وسلاسة التدفقات المالية الناتجة عن هذا الحدث.
وتجسد كل معاملة بشكل ملموس هذه الدينامية من خلال خلق سلسلة قيم حقيقية، تمتد من الاستهلاك المحلي إلى خدمات القرب، مرورا بالنقل والصناعة التقليدية. وتستفيد جميع هذه القطاعات بالفعل من هذه المناسبة، شريطة أن يدعم التداول المالي بشكل فعال حركة تنقل الأشخاص.
وفي منتصف أطوار المنافسة، توفر مكاتب الصرف أول مؤشر ملموس على الأثر الاقتصادي لكأس إفريقيا للأمم 2025، وهي زيادة تدريجية متحكم فيها ومؤطرة.