في عالم الساحرة المستديرة هناك ليالٍ يكون فيها التأهل أهم بكثير من مجرد المرور للدور التالي. ليالٍ يكشف فيها الفريق عن روحه، وشخصيته ورباطة جأشه ، وقوة مشروع بُني بصبرٍ وأناة. في مونتيري المكسيكية، قدّم أسود الأطلس للشعب المغربي إحدى تلك الليالي التي ستبقى محفورة وخالدة في ذاكرتهم الجماعية، حيث ضمنوا عن جدارة واستحقاق تأهلهم إلى دور الـ16 من كأس العالم بعد مباراة حماسية للغاية ضد هولندا.
في مواجهة منتخب هولندي يتمتع بسمعة طيبة عالميا و يعج بالنجوم ، وإن لم يلتزم بأسلوبه “الكرة الشاملة”، لم يفقد المغاربة الأمل قط. وبينما بدا الوقت وكأنه ينفد، وجدوا، في الثواني الأخيرة من الوقت بدل الضائع، القوة البدنية والنفسية اللازمة لتحقيق التعادل. لم يكن هذا التعادل ضربة حظ، بل كان مكافأة لفريق رفض الاستسلام وقاتل حتى آخر رمق.
عززت ضربات الترجيح هذا المشهد من الشجاعة. فقد تحمل كل لاعب مسؤوليته بهدوء ملحوظ، مُظهراً قوة فريقٍ تسود فيه الثقة المتبادلة على الطموح الفردي. وعندما سكنت ركلة الترجيح الأخيرة الشباك، انفجرت البلاد بأسرها فرحاً، مدركةً أنها شهدت فصلاً جديداً في التاريخ المجيد لكرة القدم المغربية.
يحمل هذا الفوز بصمة ” المهندس” محمد وهبي. فمنذ توليه تدريب المنتخب الوطني، بنى الاطار التقني المغربي فريقاً متماسكاً ومنضبطاً، واثقاً من قدراته. واستطاع أن يمنح لهذا الفريق هوية واضحة: هوية فريق لا يستسلم أبداً مهما كانت الظروف. تحت قيادته، يلعب أسود الأطلس بمهاراتهم الفنية والتقنية، ولكن قبل كل شيء بقوة شخصية أصبحت سمة مميزة لهم.
يعكس هذا التأهل أيضاً العمل الدؤوب الذي قامت به أكاديمية محمد السادس لكرة القدم على مدى سنوات طويلة. فمن خلال التركيز على التكوين، استعد المغرب للمستقبل برؤية ثاقبة. والمواهب الشابة التي تُشكل اليوم عماد المنتخب الوطني هم ورثة هذه الرؤية الطموحة، القائمة على التميز والانضباط وتطوير اللاعب من كافة الجوانب ، ويؤكد نجاحهم على الساحة العالمية أهمية نموذج أصبح مرجعاً يُحتذى به.
قصة النجاح جاءت لتتجاوز مجرد مباراة إقصائية عادية، فهي دليل على نضج فريق يرسخ مكانته بقوة بين أفضل منتخبات كرة القدم في العالم. لم يعد أسود الأطلس منافسين ضمن خانة “الحصان الأسود” ، بل أصبحوا الآن منافسين جادين يخوضون كل مباراة بطموح تحدي الأفضل.
في مونتيري، ذكّر اللاعبون المغاربة الجميع بأنه على أعلى المستويات، لا تكفي الموهبة وحدها دائما، فالتضامن والتضحية والثقة المطلقة بالزملاء والإيمان بأن لا شيء يُفقد حتى صافرة النهاية ،أمورٌ أساسية أيضاً.
هذا الإنجاز البطولي يجسد تمامًا تطور كرة القدم المغربية: كرة قدم بُنيت على تنمية المواهب الشابة، مدفوعة بمشروع متكامل، ويقودها جيل يرفض أن يكون له حدود. يواصل أسود الأطلس كتابة تاريخهم بحماس، وهذا بلا شك ما يجعل سقوطهم صعبا للغاية.